محمد جمال الدين القاسمي

337

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

معاينة ، يعرفون أن التدبر فيه يفيد التطلع على إعجازه . فيخافون تأثيره في قلوب الخلائق . لذلك ينهون عنه . أي : عن قراءته واستماعه ، لئلا يدعوهم إلى التدبر فيه ، فيفسد عليهم أغراضهم الفاسدة . وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي : يتباعدون عنه بأنفسهم ، إظهارا لغاية نفورهم عنه ، وتأكيدا لنهيهم عنه . فإن اجتناب الناهي عن المنهيّ عنه ، من متممات النهي . ولعل ذلك هو السرّ في تأخير ( النأي ) عن ( النهي ) - أفاده أبو السعود - . ولما أشعر ذلك بكونهم يبغون الغوائل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين ، خوفا من قوة تأثير التنزيل في القلوب ، أتبعه بأنه لا يحصل لهم هذا المطلوب ، لأن اللّه متم نوره ، ومظهر دينه ، وإن الدائرة عليهم بقوله : وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بتعريضها لأشد العذاب عاجلا وآجلا وَما يَشْعُرُونَ أي بذلك . تنبيه : روى الحاكم وغيره ، عن ثلة من التابعين ، أن هذه الآية نزلت في أبي طالب ، كان ينهى عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن يؤذى ، وينأي عنه فلا يؤمن به ، وجمعيته حينئذ ، باعتبار استتباعه لأتباعه . وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنها نزلت في عمومة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكانوا عشرة . فكانوا أشد الناس معه في العلانية ، وأشدهم عليه في السر ، ولا يخفى أن لفظ التنزيل مما يصدق على ما ذكر ولا ينافيه ، وهو المراد بالنزول - كما أسلفنا مرارا - وقد قال أبو طالب يخاطب النبي صلى اللّه عليه وسلم : واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أو سدّ في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقرّ عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا لا محالة أنه * من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا وفي ( ينهون ) و ( ينأون ) تجنيس بديع . ولما أخبر تعالى أنهم يهلكون أنفسهم ، شرح كيفيته مع بيان ما سيصدر عنهم في الآخرة . من القول المناقض لعقدهم الدنيويّ ، بقوله سبحانه :